صديق الحسيني القنوجي البخاري
280
أبجد العلوم
نكتة : اختلفوا في المكان ، سطح أو بعد . واتفقوا على أنه الأمر الذي يشار بحسبه هاهنا وهناك ، فإذا أشير إلى مكان ثم إلى آخر كان بينهما بعد قطعا . فتنبهت له الإشراقية ونبهوا على وجوده أن في القلة فضاء يتوارده الأجسام مطابقة له بإحجامها . قالت المشّائية « 1 » : هو أمر موهوم وما ذلك البعد إلا للأجسام ، فيتوهم المتواردة المتساوية متحدا باقيا فاعترفوا أن هاهنا بعدا موهوما يتوارده المتحيّزات وتنفذ فيه أبعادها وهميا وهو مذهب المتكلمين ، وهذا الوهم سواء أسند إلى الظرف أو المظروف فإن مداره هو الظرف إذ به تعرف مساواة المظروفات المتعاقبة . والمتكلمون لا ينكرون هواء سطح جسم بجسم ، ففي غير ما فرض محددا يتلازمان . فلم يبق نزاع إلا أن الأحق بالتسمية هذا « 2 » أو ذاك ، والظرفية العرفية شاملة لهما ، وقبل حصول الجسم فيه كلاهما متوهم ، وبعده البعد موهوم « 3 » ، والسطح موجود فرجحوه به . وقولهم : الحيّز ما به تتمايز الأجسام في الإشارة وضعا كان أو مكانا ففيه أنه لا يقال : الجسم في الوضع ، كما يقال : هو في الحيّز والإشارة بهنا وهناك إلى المكان دون الوضع ، فإن الوضع وإن اتبعه فلا بد فيه من ملاحظة الأمر المباين ، ولا يحتاج إلى مباين في هنا وهناك . وفهم الإشراقية أنه كما أن مدار التقدم والتأخر بالذات هو الزمان ، ومدار الصغر والكبر المقدار ، ومدار القلة والكثرة العدد ، كذلك يجب أن يكون مدار ما يشار إليه بهنا وهناك بالذات ما يمتنع الحركة عليه وعلى أجزائه المفروضة لذاته ، فإن المكان يتحدد قبل النقلة فيمتنع عليه التخلخل والتكاثف والفصل ووقوع الحدود بالفعل ، وكل أمر زائد على نفس البعد والمقدارية ولو كان سطحا كان قابلا لها التبعية محله ، وإن لم يكن ذلك لما يشار إليه في ثخن الجسم نقلة من هنا إلى هناك سواء كان وجوده بالفعل أو بالقوة القريبة منه ، ولزم أن يكون تصور انتقاله محوجا إلى تصور أمور خارجة عنه . فلو فرض تحرك العالم كله بحركة واحدة وضعا لم يثبت للأجزاء حركة انتقالية أصلا لانحفاظ الأوضاع . والإشراقية لما اعتادوا مطالعة لطائف الأنوار والأمور المثالية هان عليهم تصوره . وخفي على المشّائية فتوجهوا إلى إبطاله تارة بأن الأبعاد متماثلة يصح على كل منها ما
--> ( 1 ) مذهب فلسفي يوناني قديم . ( 2 ) أي سطح . ( 3 ) أي وبعده البعد بعد موهوم .